ريادة أعمال

قصة نجاح المليارديرة الصينية زو كونفي رائدة صناعة شاشات اللمس

رحلة نجاح بدأت من الصفر إلى مليارات الدولارات

النجاح ليس زرًّا تضغط عليه، فتنجح. إنما هو كفاح وجرأة وأيضًا وعي بحاضرك الذي تصنع فيه النجاح. في قصة نجاح زو كونفي، سنرى الفتاة الفقير تصير أغنى امرأة في العالم بثروة تفوق الـ 7 مليارات دولار. لقد حققت ذلك بالعمل، والعلم الذي حرصت عليه رغم فقرها.

قالت امرأة ذات مرة لصديقتها إنها كانت تود الالتحاق بأحد البرامج الدراسية، لكنها تراجعت عن الأمر. فسألتها صديقتها عن سبب تراجعها، فقالت إن مدة البرنامج الدراسي 4 سنوات، وهذا يعني أن عمرها حينئذٍ سيكون 38 سنةً. فسألتها صديقتها: “وكم سيكون عمرك بعد 4 سنوات؟!”

على كل حال، ستبلغ المرأة سن الـ 38 بعد أربع سنوات، وكان بمقدور البرنامج الدراسي أن ينفعها في حياتها وفي عملها. لا تضيع فرصة تتعلم فيها شيئًا من المؤكد أنه سينفعك؛ لأنك ستخسر الكثير إن لم تتعلم.

سترى في قصة نجاح زو كونفي أنها اهتمت بالتعليم رغم رعايتها لأسرتها منذ كانت طفلة لم تتجاوز بضع سنوات، وأن ما تعلمته قد نفعها كثيرًا في عملها.


طفولة مليئة بالعمل

وُلِدت زو كونفي عام 1970 في أسرة فقيرة، تعيش في إحدى قرى محافظة هونان في الصين الوسطى. كان أبوها جنديًّا سابقًا في الجيش الصيني، ثم عمل حِرَفِيًّا يصنع السلال والكراسي من الخيزران، ويصلح الدراجات. كان ماهرًا في حرفته، لكنه في عام 1960 -قبل ولادة ابنته زو- أصيب في حادث عمل؛ ففَقَدَ بصره. أما والدة زو، فقد تُوُفِّيت ولم تتجاوز زو سِنَّ الخامسة بعدُ.

وفي صغرها، كانت زو كونفي تساعد أسرتها في تربية بعض الحيوانات؛ من أجل المعيشة والقليل من الربح، وكانت تصعد الجبل مع أبيها؛ لكي يجمعا بعض الحطب والبطاطا؛ لإطعام الأسرة، ثم يحملان ذلك من الجبل إلى البيت. وعلى الرغم من تلك الطفولة البائسة والفقر الشديد، كانت زو كونفي نابغة في دراستها؛ إذ التحقت بالمدرسة حتى وصلت إلى المرحلة الجامعية. وقد قال عنها المعلم زونج شياوباي من مدرستها الثانوية: “لطالما كانت زو كونفي طالبة مجتهدة وموهوبة. لقد قرأت مقال التعبير الذي كتبته بعنوان “أمي”، بصوت عالٍ لجميع الطلاب في الفصل؛ فما كان من الطلاب إلا أن بكوا من تأثير كلمات زو”.

وسعيًا إلى الالتحاق بالجامعة على الرغم من الظروف القاسية التي تعيشها أسرتها، أقنعت زو كونفي عمها أن يأخذها إلى مدينة جواندونج -وهي مدينة صناعية- لكي تلتحق بعمل، ولكي تكون قريبة من جامعة شينزن. كانت جامعة شينزن تقدم دورات تدريبية في مجالات متعددة، لا تتطلب وقتًا طويلًا؛ فالتحقت زو كونفي بدورات مثل المحاسبة، والحاسوب، وتعلم قيادة السيارات من الدرجة B، والعمل الجمركي، حتى إدارة السلامة من الحرائق.

وعلى الرغم من نبوغها الدراسي وحبها للتعلم، اضطرت زو كونفي إلى ترك جامعة شينزن في سِنِّ السادسة عشرة؛ بسبب ظروفها العائلية.

تقول زو كونفي عن تلك الفترة: “لقد كنت ذات فطنة حين سعيت إلى التعلم، سواء دفعوا لي أم لا. لقد كنت أسعى إلى شيء يختلف عما يسعى إليه الآخرون في الجامعة؛ فأكثرهم جاءوا من المدن ومعهم الأموال. أما أنا، فلم أملك من المال شيئًا. لقد أردت أن أغير مصيري بيدي”.


بداية الكفاح

في البداية، سعت زو كونفي إلى الحصول على وظيفة حكومية، لكن عدم تمكنها من الحصول على شهادة جامعية حال دون ذلك. لقد أجبرتها ظروفها العائلية على العمل في مصنع لإنتاج شاشات الساعات من الزجاج مقابل 180 يوانًا في الشهر. وكانت العمل شاقًّا ومرهقًا؛ حيث كانت زو كونفي تعمل من الثامنة صباحًا إلى الثانية عشرة عند منتصف الليل، وأحيانًا إلى الثانية بعد منتصف الليل. لم تكن هناك ورديات في المصنع.

بعد ثلاثة أشهر من الجهد والإرهاق، قدمت زو كونفي استقالتها، وذكرت في سبب الاستقالة ما كانت تعانيه من بيئة العمل القاسية. وأشارت أيضًا إلى امتنانها لفرصة العمل تلك، وأنها كانت ترغب كثيرًا في التعلم من عملها، لكن العمل شاق، وليس فيه جديد. أعجب المدير بما كتبته، فأخبرها أن المصنع بصدد تطوير عملياته، وعرض عليها ترقية. ساعدت هذه الترقية زو كونفي على الاستمرار في العمل، لكن عقلية زو التي كانت محبة للتعلم وتطوير الذات قادتها إلى بدء شركتها الخاصة.

عام 1993، بتشجيع من ابن عمها، افتتحت زو كونفي شركة Lens Technology لإنتاج شاشات الساعات من الزجاج، التي شاركها فيها أخوها وأختها وأزواجهم، واثنان من أبناء عمها. كان مقر الشركة شقة صغيرة من ثلاث غرف، لكنها نجحت في جذب العملاء إليها؛ بتأكيدها على تقديم أفضل الشاشات جودةً. وكان إستراتيجية عمل زو تقوم على فهم كل جانب من جوانب العمل حتى إصلاح الآلات والبحث عن أفضل أنواع الآلات؛ مستفيدةً بما اكتسبته من خبرة طوال عملها السابق في شينزن، وما تعلمته في الجامعة.

يقول جيمس زاو، المدير العام في شركة Lens Technology: “أحيانًا تجلس السيدة/ زو بين العاملين، وتؤدي عملهم؛ لكي تتأكد من أن كل شيء يجري على ما يُرام. وقد يضعني هذا في حرج إن وجدت خطأً، فتسألني لماذا لم تَرَ هذا؟”

وتقول ابنة عمها، زو Xinyi: “في محافظة هونان، نقول عن أمثال زو كونفي “با دي مان”، وتعني أنها امرأة ذات جرأة؛ حيث تقتحم المجالات التي يخشاها الرجال أنفسهم”.


الانتقال إلى العالمية

وبعد اجتهاد دام ثماني سنوات من 1993 إلى 2001، أثبتت خلالها شركة Lens Technology ذاتها، وعنايتها بتقديم أفضل جودة ممكنة في صناعة الشاشات الزجاجية للساعات وأجهزة التلفاز والأجهزة الطبية وغيرها؛ جاءتها الفرصة لاقتحام عالم الشاشات التي تعمل باللمس حين تعاقدت مع عملاق الإلكترونيات الصيني TCL على صناعة شاشات للهواتف الذكية. ونتيجة هذا النجاح والجودة التي تقدمها لعملائها، تلقت زو كونفي اتصالًا غير متوقع من شركة Motorolla لتسألها عن إمكانية تقديمها المساعدة في تطوير شاشة هاتفها الجديد Razr V3. في ذلك الوقت، كانت شاشات الهواتف الذكية تُصنَع من البلاستيك، لكن شركة Motorolla أرادت شاشة من الزجاج تتحمل الخدوش، وتنتج صورًا أكثر جودة للرسائل النصية، والصور، والفيديوهات.

تقول زو كونفي عن ذلك الاتصال: “كان ذلك الاتصال مفاجأة. طلبوا مني الإجابة بنعم أو لا، وأخبروني أنني إن أجبت بنعم، فسيساعدونني في ذلك. لذا، أجبتهم بنعم”.

دفع هذا التطور المهم بدخول عالم صناعة الهواتف الذكية زو كونفي إلى الحصول على قرض من البنك بضمان منزلها؛ لإنشاء مصانع جديدة، وتوظيف أفضل التقنيين.

يقول جيمس هوليز، المدير التنفيذ لشركة Corning، التي تُورِّد الزجاج إلى شركة Lens Technology، عن زو كونفي: “إن زو سيدة أعمال شغوف بالنجاح، وتحب العمل بيدها. لقد رأيت شركتها تنمو، وتُطوِّر فريقًا رائعًا من التقنيين. اليوم لدينا أكثر من 100 منافس في هذه الصناعة، لكن Lens Technology هي صاحبة المركز الأول بين جميع الشركات”.

ومنذ نجاح شركة Lens Technology في صناع شاشات الهواتف الذكية، أصبحت الشركة رائدة عالمية في صناعة الشاشات التي تعمل باللمس لأجهزة اللاتوب والتابلت والهواتف الذكية؛ حيث انهالت عليها طلبات من شركات تصنيع الهواتف الذكية مثل: HTC وNokia وSamsung. وفي عام 2007، اقتحمت شركة Apple السوق بهاتفها Apple IPhone الذي قدم شاشة تعمل باللمس، مدعمة بلوحة مفاتيح؛ مما أعاد صياغة عالم الأجهزة الذكية مرةً أخرى. وبتعاون شركة Apple مع شركة Lens Technology، تبوأت Lens Technology المركز الأول بين الشركات الصينية في مجال الشاشات التي تعمل باللمس. وهي تقدم خدماتها لرواد صناعة الأجهزة الذكية Apple وSamsung وHuawei، وتحقق 75% من أرباحها من عملها مع العملاقين Apple وSamsung، وتخطط Apple في إنتاج ساعتها الذكية للتعاون مع شركة Lens Technology في تزويدها بشاشات من الزجاج والكريستال.

وفي 18 مارس 2015، طرحت Lens Technology أسهمها للتداول في بورصة شينزن، وحققت أسهمها صعودًا متواصلًا حتى 2 إبريل 2015؛ مما جعلها الشركة التقنية الأكثر نموًّا في الربع الأول من عام 2015. وفي إبريل 2015، بلغ عدد العاملين في Lens Technology حوالي 75 ألف فرد، وتنتج الشركة حوالي مليار شاشة زجاجية في 32 مصنعًا تمتلكها.

وعلى الرغم من كثرة أعمال Lens Technology، فإنها لم تواجه يومًا صعوبات أو مشكلات مع العاملين لديها مثلما تعاني شركات أخرى. يقول العاملون هناك إن العمل الصناعي مرهق في كل مكان، لكنه في Lens Technology يُشعِرهم بالتحدي، ويُخرِج طاقاتهم؛ حيث تجتهد الفتيات في فحص الزجاج من جميع الزوايا؛ لمعالجة أي شقوق فيه.

واليوم، تبلغ ثروة زو كونفي أكثر من 7 مليارات دولار، وهي بذلك أغنى امرأة في الصين والعالم؛ حيث تحتل الصين المرتبة الأولى عالميًّا في عدد النساء الثريات بـ 49 امرأة؛ مُتفوِّقةً بذلك على الولايات المتحدة الأمريكية التي حقق أغلب نسائها ثرواتهن عن طريق ميراث حصلن عليه. أما زو كونفي ونظيراتها من الصين، فقد حققن ثرواتهن من عملهن واجتهادهن.


زو كونفي تتحدث عن نفسها

تحدثت زو كونفي في إحدى المقابلات الصحفية عن نشأتها في قرية ريفية، فقالت: “في القرية حيث نشأت، لا تملك الفتيات الخيار للذهاب إلى المدرسة الثانوية؛ بل كل ما يفعلنه أن يتزوجن، ويقضين ما بقي من حياتهن في القرية. أما أنا، فاخترت لنفسي أن أكون سيدة أعمال، ولست نادمة على ذلك. معظم النساء يأتين من بيئات فقيرة، ويكون عليهن إعالة أسرهن. لقد كنت أحمل هموم أسرتي: أبي وأخي وأخواتي الخمس؛ لذا كان أبي يعاملني كأنني رجل. لطالما ذهبت مع أب إلى الجبل؛ لكي نحضر بعض الحطب، ونستخرج بعض البطاطا، ثم نحملها على من الجبل إلى البيت مرةً أخرى. صراحةً، لا أحب أن أتكلم عن طفولتي؛ لأنني عاطفية، وهذا الأمر يثير مشاعري”.

وتقول أيضًا: “لا يتعلق الأمر بالقوة الجسدية؛ فأنا أدين بنجاحي للصلابة التي اكتسبتها من الحياة، والعزم في مواجهة الصعاب. لقد حاولت الحصول على وظيفة حكومية، لكن عدم قدرتي على الحصول على شهادة جامعية -بسبب ظروف عائلتي- حال دون ذلك. كان عليَّ أن أجد عملًا يسمح لي بإعالة أسرتي؛ لذا عملت في مصنع في منطقة شينزن الاقتصادية. لقد تبدلت الحياة في الصين؛ ففي البداية كانت المرأة تحصل على نصف الأجر الذي يحصل عليه الرجل حتى إن كانت المرأة تعمل في ظروف قاسية، أو في عمل مثل الرجل. لكن حين افتتحت شركة Lens Technology، كانت الصين تخطو خطوات فسيحة نحو التقدم الاقتصادي، فأتاحت الفرصة للجميع -ومنهم السيدات- للعمل وتكوين الثروات بعد زيادة النشاط الرأسمالي، مما ساعدني في بدء عملي الخاص”.

وتضيف زو: “المجتمع الصيني يحكمه الرجال؛ فهم يحكمون مجال السياسة، ولا يخترقه من النساء إلا القليل. أما الاقتصاد، فكلما ازدادت المكانة الاقتصادية، قلَّ عدد النساء فيها؛ فعادةً ما يكون الرجال هم رؤساء الشركات؛ لأن المرأة كلما ازدادت مكانتها، ظن زوجها أن هذا الأمر يمثل إهانة له”. ولكن زو كونفي كانت أوفر حظًّا؛ حيث إن زوجها يدعمها كثيرًا، وهو شريكها في العمل؛ حيث تملك زو نسبة 51% من الشركة، ويملك زوجها نسبة 49%.

وتقول زو أيضًا: “في البداية، كانت الشركة صغيرة، وكنت أحيانًا أنام تحت السلالم بالقرب من العمل”.

وعن متابعة لكل دقائق العمل بنفسها، تقول زو كونفي: “لقد فقد أبي بصره؛ لذا كان عليَّ الاعتناء بوضع كل شيء في مكانه، وإلا وقعت مشكلة. هذا معنى الانتباه الذي أحرص عليه، وأطلبه من جميع مَن يعملون في Lens Technology. أنا أنام هنا في الشركة؛ فهناك باب بين شقتي والشركة يسمح لي بدخولها في أي وقت من الليل والنهار”.

وعن رؤيتها لمستقبل المرأة في الصين، تقول زو: “الفجوة المجتمعية بين الرجل والمرأة في اتساع، وما تزال المرأة تتعرض للتمييز في العمل، سواء في الحصول على الوظيفة أو الترقية؛ لكن الحكومة الصينية تسعى بكل جدية إلى المساواة بين الجنسين في فرص العمل. أرى أن الجيل الحالي من الشباب أمامهم مستقبل مشرق؛ لأنهم أفضل تعليمًا، وأمامهم الفرصة”.


لماذا نجحت زو كونفي؟

كل قصة نجاح فريدة عن غيرها. من المؤكد أن تجد تشابهات بين القصص، لكن لكل قصة ما تتميز به عن غيرها؛ لأن كل أحد يختلف عن الآخر. كيف حققت زو كونفي هذا النجاح الباهر، الذي جعل ثروتها تبلغ أكثر من 7 مليارات دولار؟!

  1. النشأة في أسرة فقيرة ليست سببًا للابتعاد عن النجاح. رغم ظروف زو كونفي البائسة ورعايتها لأسرتها، التحقت بالمدرسة حتى وصلت إلى المرحلة الجامعية. يكمن السر هنا في الصلابة والعزم، كما ذكرت زو نفسها.
  2. لم تفوت زو كونفي فرصة التعلم في جامعة شينزن؛ حيث الدورات التدريبية المتعددة. صحيح أنها لم تستطع استكمال الدراسة الجامعيةة، لكنها لم تكن دراسة عابرة، بل لقد وعت زو جميع ما تعلمته، واستفادت به في عملها. ارجع إلى قصة الصديقتين، التي ذكرناها في بداية الحديث عن زو كونفي؛ لتعرف أن ما تتعلمه اليوم لا بد له من قيمة، بشرط أن تسعى أنت إلى الانتفاع به.
  3. طوال ثلاث سنوات من العمل الشاق في مصنع بمنطقة شينزن الاقتصادية، كانت زو حريصة على التعلم والاستفادة، وكانت تدخر المال؛ لكي تنشئ عملها الخاص. ولا ننسى أن تشجيع ابن عمها لها كان داعمًا كبيرًا لنجاحها.
  4. لقد أحسنت زو كونفي التخطيط لشركتها Lens Technology، وحققت النجاح بحرصها على تقديم أفضل جودة لعملائها.
  5. إذا جاءتك الفرصة، فاقتنصها. هذا ما فعلته زو كونفي حين اقتنصت فرصة لا مثيل لها عرضتها عليها شركة Motorolla؛ فاقتحمت بذلك عالم صناعة الشاشات التي تعمل باللمس حتى تبوأت المركز الأول فيه.
  6. لكي تحتفظ بالنجاح، وظِّف أفضل العاملين، واحتفظ برضاهم عن بيئة العمل، واحتفظ بعلاقات طيبة بأهم عملائك. هذا ما تراه في شركة Lens Technology؛ حيث العاملون سعداء ببيئة العمل. وكذلك، تحرص زو كونفي على طيب العلاقة بأفضل عملائها Apple وSamsung.

شارك برأيك!

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى