ريادة أعمال

قصة نجاح رجل الأعمال الياباني تاداو كاشيو، مؤسِّس شركة كاسيو

تعرف على رحلة نجاح شركة كاسيو في مجال الآلات الحاسبة والساعات

في هذه المقالة، سنستعرض قصة نجاح المهندس والمخترع ورجل الأعمال الياباني، تاداو كاشيو، رئيس شركة كاسيو ليمتد، وهي واحدة من الشركات الرائدة في مجال الآلات الحاسبة الإلكترونية والساعات الإلكترونية وأجهزة الكمبيوتر الشخصية، ولا تزال هذه الشركة تحتل مكانة بارزة في السوق العالمية.

الطفولة المُبكِّرة لتاداو كاشيو

وُلِد تاداو كاشيو في 26 نوفمبر 1917، في مدينة كوريتا مورا (نانكوكو حالياً) في محافظة كوتشي في اليابان، وهو الابن الثاني لوالده شيغيرو كاشيو ووالدته كيونو كاشيو. وكان لدى تاداو كاشيو ثلاثة إخوة، وهم كازو وتوشيو ويوكيو. وقد عاش تاداو كاشيو في منزل عادي يشبه باقي المنازل الموجودة بالجوار. ولكن الاختلاف الوحيد كان يتمثَّل في أن إحدى نوافذ المنزل كانت تطل على قلعة يعود تاريخها إلى القرون الوسطى، وقد أقام فيها أحد أشهر الشعراء اليابانيين، وهو كوباياشي عيسى.

حتى عام 1923، كان والدا تاداو يعيشون في إحدى القرى ويعملون في حقول الأرز. وفي سبتمبر 1923، وبعد وقوع زلزال كانتو الكبير، الذي دمَّر مدينة طوكيو وقتل أكثر من 100,000 شخص، انتقلت العائلة إلى المدينة للمشاركة في إعادة بناءها، وسعياً وراء مستوى معيشة أفضل، وأملاً في أن يحصل أطفالهم على قدر أفضل من التعليم.

وفي طوكيو، لم تكن الحياة سهلة بأي حال من الأحوال، فقد كان راتب عامل البناء ضئيلاً للغاية. ومن أجل توفير بعض المال الإضافي لتعليم الابن الأكبر، قام الأب، شيغيرو كاشيو، بتخفيض نفقات المواصلات. وكان يذهب إلى العمل ويعود منه كل يوم سيراً على الأقدام، وكانت هذه الرحلة تستغرق حوالي خمس ساعات. ومع أخذ مثل هذه التضحيات في الاعتبار، لم يخذل تاداو والده. ففي عام 1929، أنهى تاداو المستوى الأدنى من المرحلة الابتدائية. وفي عام 1931، أنهى المستوى الأعلى. وكان تاداو أفضل طالب في الصف. وبعد التخرُّج من المدرسة مباشرةً، حصل تاداو على وظيفة في شركة لإعادة تدوير عبوات الزيت. وسرعان ما حصل على وظيفة في شركة لإنتاج الأوسمة العسكرية للجنود. وقد نال أداء تاداو إعجاب مديره، وسرعان ما تم نقله كمُتدرِّب في مصنع إينوموتو Enomoto.

في هذا المصنع، سعى تاداو لتحقيق النجاح بكل قوته، فقد كان أول من يأتي إلى المصنع في الصباح وآخر من ينصرف. وقد لفت عمله الجاد وذكاؤه انتباه صاحب المصنع، هيروشي إنوموتو، والذي سرعان ما شجَّع تاداو كاشيو على الالتحاق بمدرسة العمال في واسيدا (جامعة واسيدا حالياً) من أجل تعميق معرفته المهنية أثناء عمله في المصنع.

مدرسة واسيدا للعمال التي تعلم فيها تاداو، واسمها حاليا جامعة واسيدا

أولى خطوات الحياة المهنية والحياة الزوجية

بعد أن أنهى تاداو دراسته في مدرسة العمال في واسيدا، عمل في مصنع لصمامات الراديو حيث ظهرت مواهبه كمدير وكمخترع ماهر. وقد كان تاداو يبذل مجهوداً خارقاً في العمل حتى أُصيب بالإنهاك الشديد، فضلاً عن إصابته بمرض السل، وخلال هذه الفترة كان تاداو غير لائق صحياً للالتحاق بالجيش، وهو أمر مهين للرجل الياباني. لذا، كان تاداو يخجل من النظر في عيني أي شخص يرتدي الزي العسكري.

وعلى الرغم من ذلك، لم يكن الاستسلام من طبيعة تاداو كاشيو الذي كان عازماً على مساعدة بلاده قدر المستطاع في الجبهة الداخلية حتى يكون لدى الجنود اليابانيين كل ما يحتاجونه لكسب الحرب. وبدأ تاداو على الفور في تنفيذ فكرته. وكانت ورشة إنتاج القذائف التي يعمل بها تاداو تعمل بأقصى طاقتها، ليس فقط من حيث الكمية ولكن أيضاً من حيث جودة المنتجات. ومع ذلك، لم يكن ذلك كافياً للشاب الطموح، فقد حلم تاداو بنوع من الإنتاج يعتمد بشكل أكبر على التقنيات الحديثة، ولا يعتمد على أي تعليمات تقليدية. وقد استطاع تحقيق ذلك في مؤسسته الخاصة.

وفي صيف عام 1942، أثناء الحرب العالمية الثانية، حقَّقت عائلة كاشيو أول نجاح لها، حيث أنتجت ضعف الكمية من الأرز الياباني الغني بقيمته الغذائية. وبدأ تاداو كاشيو مشروعه الصغير لإنتاج مكوِّنات الطائرات. واشترى تاداو مخرطة صغيرة ووضعها في ساحة المنزل في السقيفة المبنية خصيصاً لهذا الغرض، واستغل مهاراته التقنية وخبراته المهنية، بالإضافة إل التصميم والإرادة والتعاون العائلي، ومن ثَم بدأ مشروعه الأول. وسرعان ما سدَّد القرض للبنك وكسب ما يكفي من المال للزواج. وقد اختارت له والدته، كيونو كاشيو، عروساً رائعة. وأخيراً، في عام 1943، تزوَّج تاداو كاشيو من شيغ نوغوتشي، وعاشا معا حياة سعيدة.


شركة كاسيو للكمبيوتر

أحدثت نهاية الحرب العالمية الثانية تغييرات جذرية في حياة عائلة كاشيو، فقد دمَّرت القاذفات الأمريكية منزلهم، وانهار المشروع الجديد. ولم يتمكن إخوة تاداو الذين عادوا من الحرب من العثور على عمل. وفي ذلك الوقت، عُرضت على تاداو ماكينة تفريز رخيصة للغاية. ومن خلال الاستعانة بهذه الماكينة، كان من الممكن إنتاج الكثير من الأدوات المنزلية المفيدة، مثل المقالي ومواقد بريموس والسخانات، وقد كان الطلب على هذه الأدوات كبيراً خلال فترة ما بعد الحرب. ولكن المشكلة كانت تكمن في أن ماكينة التفريز كانت موجودة في مستودع يبعد 186 ميلاً (300 كم) عن طوكيو، وكان من المستحيل العثور على أي وسيلة نقل في ذلك الوقت. ولكن والد تاداو استطاع حل هذا المشكلة وتقديم تضحية بطولية كما اعتاد دائماً. فقد تمكَّن من استعارة عربة ذات عجلتين وقام بتوصيلها بدراجة، ومن ثَم استطاع نقل ماكينة التفريز التي تزن حوالي 1100 رطل (500 كجم). وقد استغرقت عملية النقل عدة أسابيع، ولكن هذه الجهود أثمرت في النهاية.

في إبريل 1946، أسَّس تاداو كاشيو شركة كاسيو للكمبيوتر Casio Computer Company التي تخصَّصت في إنتاج الأجهزة البسيطة. وعرض تاداو كاشيو على شقيقه توشيو كاشيو الانضمام لشركته ووافق على الفور. وكان توشيو قد اكتسب بعض المعرفة في مجال الكهرباء من خلال العمل مع وزارة الاتصالات، ولكنه قرَّر البحث عن فرص جديدة تتيح له إمكانية الابتكار. وقد تعاون كل من تاداو وتوشيو في العمل وأنتجا العديد من الأدوات البسيطة، مثل حلقة الأصبع التي تحمل السيجارة، والتي تتيح للمدخنين استخدام أيديهم لأداء مهام أخرى أثناء التدخين، وأنتجا أيضاً أجهزة لخبز بسكويت الذرة.

كانت سوق اليابان التي دمرتها الحرب موجهة في المقام الأول نحو السلع الرخيصة، حيث لم يكن لدى أي من المستهلكين المحتملين أي أموال. وقد أتاحت حلقة الأصبع التي تحمل السيجارة للمُدخِّنين فرصة توفير الكثير من الأموال، لأنها تتيح لهم العمل أثناء التدخين وبالتالي عدم تضييع الوقت. كما أنها تتيح أيضاً إمكانية تدخين السجائر التي لا تحتوي على فلتر حتى النهاية دون حرق الأصابع. ولكن الميزة الرئيسية لحامل السيجارة كانت تتمثَّل في أنه يتيح فرصة التدخين في الحمَّامات اليابانية التقليدية دون أن تبتل السجائر في أيدي العمال المنهكين من العمل الشاق، وهي متعة لطالما كانوا يبحثون عنها. وهكذا، نال هذا الحامل شهرة واسعة، وحقَّق الأخوان كاشيو الكثير من المبيعات.

وقد ساعدت الأموال التي ربحتها العائلة خلال تلك الفترة، على التغلُّب على الصعوبات خلال فترة ما بعد الحرب، بالإضافة إلى التفكير في التخطيط للمستقبل. وفي ذلك الوقت، كان كل تفكير تاداو مُنصباً على كيفية عمل الآلة الحاسبة.


الآلة الحاسبة الكهربائية

في عام 1949، حضر تاداو عرضاً تجارياً أُقيم في أحد مسارح جينزا، طوكيو. وعلى خشبة المسرح، كانت هناك منافسة في إجراء العمليات الحسابية بين جندي أمريكي يستخدم آلة حاسبة كهربائية ضخمة ومحاسب ياباني يستخدم طريقة الحساب اليابانية التقليدية. وكان الجمهور يشاهد العرض بحماس ويساند الجندي. وكانت هناك رغبة كبيرة سائدة في اليابان في ذلك الوقت في أن تصبح دولة مشهورة ليس فقط بتاريخ الساموراي ولكن أيضاً بالإنجازات في مجال التقدُّم التقني والعلمي.

وبعد انتهاء العرض، سيطرت على تاداو فكرة الإنتاج الضخم للآلات الحاسبة. وفي يناير 1950، عرض على شقيقه توشيو كاشيو فكرة البدء في تطوير نموذج لآلة حاسبة صغيرة كهربائية. ولم يكن هذا الأمر كافياً، فقد سعى الأخوان كاشيو للوصول إلى فكرة مبتكرة. وفي هذه الفترة، كانت معظم الآلات الحاسبة تعمل بواسطة تروس ميكانيكية، ولم تكن هناك دوائر إلكترونية. وقد كانت الآلات الحاسبة المستخدمة في اليابان تعمل يدوياً. وعلى الرغم من أن الآلات الحاسبة الكهربائية المزوَّدة بمُحرِّك صغير لتحريك التروس كانت تُستخدَم على نطاق واسع في بلدان أخرى، لم يكن من الممكن إنتاجها في اليابان لأنها كانت هناك تحتاج إلى مواد ذات جودة استثنائية ومهندسين رفيعي المستوى.

كانت الآلات الحاسبة الكهربائية تقوم بإجراء العمليات الحسابية بشكل أسرع بكثير من الآلات الحاسبة اليدوية، ولكنها كانت تُصدِر أصواتاً مزعجة. وقد استطاع توشيو كاشيو إيجاد حل للتخلُّص من كل هذه الضوضاء، وأراد استخدام الدوائر الكهربائية بدلاً من الأجزاء الميكانيكية. وسرعان ما ظهرت آلة حاسبة بدون تروس من تطوير توشيو كاشيو.

وكان الأخوان كاشيو يعملان بجد خلال النهار لكسب بعض المال من أجل تنفيذ هذا المشروع، وفي الليل، كانا يعملان على تطوير الآلة الحاسبة الكهربائية. وقد كانت المهمة معقدة بسبب عدم وجود الأموال الكافية للاستعانة بخبراء مُتخصِّصين. وقد كان توشيو كاشيو يتولى الجانب الفني من المشروع.

في عام 1954، وبعد اختبار العشرات من النماذج الأولية، نجح الاخوان كاشيوا أخيراً في تطوير أول آلة حاسبة كهربائية في اليابان. وقام تاداو كاشيو بعرض آلته الحاسبة على شركة Bunshodo Corporation، التي كانت تبيع اللوازم المكتبية، بما في ذلك الآلات الحاسبة. ولكن هذه الشركة لم تكن راضية عن الآلة الحاسبة الخاصة بتاداو لأنها كانت تقوم بإجراء عملية حسابية واحدة كل مرة. ولكن هذا الموقف لم يحبط تاداو كاشيو الذي حصل على قرض من البنك وواصل تطوير فكرته.

وأثناء تطوير نموذج جديد من الآلة الحاسبة، اكتشف الأخوان كاشيو أنهما بحاجة إلى تطوير القدرات الأساسية للآلة الحاسبة، بالإضافة إلى تطوير أسلوب العمل. وبالتالي، كان عليها تغيير المشروع والتحول إلى نظام أكثر حداثة. وسرعان ما انضم الشقيقان كازو ويوكيو إلى فريق العمل. وكان لكل منهم مهامه الخاصة، حيث كان تاداو وكازو مسؤولين عن الإنتاج، وكان توشيو مسؤولاً عن توليد أفكار جديدة، بينما كان يوكيو، الذي درس الهندسة الميكانيكية في الجامعة، مسؤولاً عن رسم المسودات.

في عام 1956، كانت عائلة كاشيو قريبة من تصميم آلة حاسبة تستطيع إجراء عمليات الضرب. وفي ذلك الوقت، كانت معظم الآلات الحاسبة عبارة عن أجهزة تستخدم الكهرباء لتحريك التروس الداخلية. ومن أجل تصميم آلة حاسبة كهربائية أصغر حجماً، وإنتاجها بكميات كبيرة، قررت عائلة كاشيو إعادة تصميم الآلة الحاسبة بالكامل والتخلُّص من الملف اللولبي وتقليل عدد المُرحِّلات من عدة آلاف إلى 341 فقط. كما صمَّموا أيضاً مُرحِّل خاص بهم لا يتأثَّر بالغبار. ونتيجة لذلك، لم تعتمد الآلة الحاسبة الجديدة على عناصر ميكانيكية مثل التروس، وكانت تحتوي على 10 مفاتيح للأرقام، تماماً مثل أجهزة الجيب الحديثة. وفي نهاية عام 1956، قرر تاداو كاشيو وإخوانه تقديم عرض لاختراعهم الجديد في مدينة سابورو. ولكن عند تحميل الآلة الحاسبة على متن الطائرة في مطار هانيدا، كانت الآلة الحاسبة تتجاوز الحجم المسموح به. وطلب مسؤولو المطار فصل الجزء العلوي من الآلة الحاسبة. وعلى الرغم من أن هذا الإجراء كان من الممكن أن يتسبَّب في تلف الآلة الحاسبة، إلا أن تاداو لم يمانع. وعند الوصول إلى مدينة سابورو، تمت إعادة تجميع الآلة الحاسبة مرة أخرى، ولكنها توقَّفت عن العمل. وبعد عدة محاولات فاشلة لإصلاحها، قام تاداو بتقديم العرض على شرائح.

وعندما عادت العائلة إلى المنزل، اتصل بهم مُمثِّل من شركة يوشيدا يوكو ليمتد Uchida Yoko Ltd، وطلب من تاداو كاشيو الحضور إلى الشركة وتقديم عرض للآلة الحاسبة الجديدة. وقد طلبت الشركة ذلك بعد أن شاهد مدير فرع الشركة في مدينة سابورو العرض التقديمي. وكانت شركة يوشيدا يوكو ذات سمعة مرموقة، وبعد العرض التقديمي للآلة الحاسبة، طلبت توقيع عقد وكالة حصرية لبيع الآلة الحاسبة الجديدة. وفي يونيو 1957، تم إطلاق أول نموذج من الآلة الحاسبة، وكان هذا إيذاناً بتأسيس شركة كاسيو للكمبيوتر المحدودة Casio Computer Ltd.

كانت الآلة الحاسبة الجديدة تزن 140 كجم (308 رطلاً) ويبلغ عرضها 1080 مم وارتفاعها 780 مم وعمقها 445 مم، وهو ما يُمثِّل تطوُّراً مذهلاً في ذلك الوقت. وحملت الآلة الحاسبة الجديدة اسم Casio 14-A، في إشارة إلى أنها تعمل بأربعة عشر رقماً وأنها الأولى في جيلها. وكان سعر بيع الآلة الحاسبة 485,000 ين ياباني (أي ما يعادل الآن 11,318.59 دولاراً أمريكياً)، وقد كان سعر الصرف ثابتاً عند 360 ين ياباني لكل دولار أمريكي بين عامي 1949 و1971. وقد كانت الآلة الحاسبة تتمتَّع بمزايا تقنية أفضل من غيرها، لذا، كان من الممكن بيعها بأسعار أعلى. وحقَّقت الآلة الحاسبة نجاحاً باهراً لأن اليابانيين دائماً ما يُفضِّلون المنتجات المحلية على المنتجات المستوردة من الخارج. وقد تزامن إنشاء آلة حاسبة فائقة الدقة مع الطفرة الاقتصادية الحادثة في اليابان، وبدأت الطلبات تتدفق على شركة كاسيو.


فلسفة شركة كاسيو

في عام 1960، أصبح تاداو كاشيو رئيساً للشركة. وتم بناء مصنع جديد في حي كيتاتاما جون Kitatama-gun في مدينة ياماتو ماتشي Yamato-machi (المعروفة حالياً باسم هيغاشي ياماتو Higashi Yamato)، وكان الموظَّفون يتلقون التعليم في كلية فنية تم افتتاحها خصيصاً لهذا الغرض. وبعد وقت قصير، أطلقت الشركة جهاز TUC Compuwriter، وهو جهاز متصل بآلة كاتبة كهربائية، والآلة الحاسبة AL-1 المُصمَّمة للأغراض العلمية. واستمر العمل في الشركة على قدم وساق، ولم يتأثَّر الإنتاج بإصابة تاداو كاشيو بمرض السل.

بذل تاداو كاشيو قصارى جهده لكي تسود في شركته روح يابانية حقيقية، وقد كان هدفه الأساسي هو العمل من أجل خدمة اليابان. وبعد انهيار حلم إنشاء إمبراطورية يابانية عظيمة، كانت الطريقة الوحيدة لخدمة اليابان هي التوسُّع السلمي عن طريق غزو أسواق البلدان التي هزمتهم خلال الحرب العالمية الثانية. وبغض النظر عن حجم أو وضع الشركة التي يعمل فيها المواطن الياباني، فإنه دائماً ما يكون فخوراً بها، وينظر إلى نجاحها على أنه نجاح شخصي له، وكذلك أي فشل تتعرَّض له الشركة يُمثِّل مأساة. وكانت الفلسفة نفسها سائدة في شركة تاداو، فكان المُوظَّفون يعدون نجاح الشركة هو هدفهم الأساسي في الحياة. وكان الموظَّفون الذين يعملونُ في قسم الهندسة متحمِّسين للغاية ويسعون لابتكار كل ما هو جديد. فعلى سبيل المثال، ابتكر تاشيو كاشيو أسلوب استخدام أسلاك مُتعدِّدة الألوان، بحيث يستطيع العمال التعرُّف عليها بسهولة أثناء تجميع الآلة الحاسبة. وعلى الجانب الآخر، كان تاداو يُبدي الكثير من الاهتمام بموظَّفيه.

ولم يقتصر الاهتمام بالموظَّفين على استخدام الأسلاك مُتعدِّدة الألوان فقط، فقد أمر تاداو كاشيو بإحضار مياه شرب نظيفة، بالإضافة إلى توفير وجبات غداء مجانية تحتوي على كميات مناسبة من البروتينات والدهون والكربوهيدرات. أيضاً، تم إنشاء ملاعب رياضية بجوار المصنع. ومن المفارقات الغريبة أن الأنشطة الرياضية قد تسببَّت في تدهوُّر الأوضاع في الشركة، فقد انشغلت عائلة كاشيو بممارسة رياضة الغولف وأهملوا تطوير التقنيات الجديدة. وقد استغلت شركة شارب Sharp  المنافسة الوضع على الفور وأطلقت الجيل الجديد من الآلات الحاسبة الإلكترونية بالكامل التي تعتمد على الترانزستورات. ونتيجة لذلك، انخفض الطلب على حاسبات شركة كاسيو بشكل كبير.


انطلاق عصر الآلات الحاسبة الإلكترونية

دخلت الشركة في حالة ركود، وارتدى العديد من العمال ملابس حداد في إشارة للأوقات الصعبة التي تمر بها الشركة. وعلى الرغم من ذلك، كان العمل في المختبرات التقنية يجري على قدم وساق من أجل تطوير نوع جديد من الآلات الحاسبة. واختبر مهندسو الشركة نموذجاً أولياً للترانزستور، وفي سبتمبر 1965، كشفت الشركة عن منتج يحمل اسم 001، وهو عبارة عن آلة حاسبة إلكترونية لسطح المكتب مزوَّدة بذاكرة مدمجة. وكان ذلك التطوُّر بمثابة بداية حقبة جديدة، حيث أصبح حجم الآلات الحاسبة صغيراً بما يكفي لتناسب سطح الطاولة. وفي الوقت نفسه، أصبح مصطلح “الآلة الحاسبة الإلكترونية” شائع الاستخدام. وبمرور الوقت، أصبحت الآلات الحاسبة أصغر حجماً وأكثر انتشاراً في جميع أنحاء العالم. وفي غضون عامين، ظهرت أول آلة حاسبة إلكترونية قابلة للبرمجة من إنتاج شركة كاسيو في الولايات المتحدة الأمريكية، وقد تم إنتاجها لصالح العلامة التجارية كومودور Commodore. وهكذا، نجحت خطة تاداو، وفي بداية حقبة السبعينيات من القرن الماضي، استعادت الشركة سمعتها بالكامل.

وعلى الرغم من إنتاج الآلات الحاسبة الجديدة، لم يكن من السهل بيعها، لأن الشركات المنافسة سيطرت على الأسواق المحلية. لذا، قرَّر تاداو كاشيو البدء في الترويج لمنتجاته في أكبر مدن أمريكا وأوروبا. ولهذا الغرض، فتحت شركة كاسيو معارض في مختلف البلدان، مع التركيز على اختيار موظَّفين مؤهَّلين تأهيلاً مناسباً للعمل في كل فرع. وفي عام 1970، دخلت شركة كاسيو سوق الاكتتاب العام، وتم إدراجها في بورصة طوكيو. وفي اليوم الأول من التداولات، قفز سعر السهم بمقدار 150 يناً يابانياً قبل أن يغلق عند 630 يناً يابانياً. وقد تم تداول ما مجموعه 810,000 سهم. وفي عام 1973، تم إدراج الشركة في بورصة أمستردام، وفي عام 1979، تم إدراجها في بورصة فرانكفورت.

وعلى الرغم من ذلك، كانت الآلات الحاسبة باهظة الثمن في ذلك الوقت لدرجة أن عامة الناس لا يستطيعون شرائها.  ولهذا السبب، طلب تاداو كاشيو من موظَّفيه تصميم آلة حاسبة جديدة في متناول المستهلكين الأفراد ويمكن استخدامها كآلة حاسبة شخصية للجيب. وفي أغسطس 1972، حققت الشركة النتائج المرجوة وأطلقت الآلة الحاسبة الصغيرة Casio Mini، وهي أول آلة حاسبة شخصية في العالم بسعر 12,800 ين ياباني (231.60 دولاراً أمريكياً). ومن أجل بيع الآلة الحاسبة الجديدة، أطلقت الشركة حملة ترويجية ضخمة عبر إعلانات التليفزيون بهدف جذب انتباه المشترين المحتملين. وسرعان ما استحوذت الآلة الحاسبة الجديدة على السوق العالمية، وأصبحت جزءاً من الحياة اليومية. وبعد عشرة أشهر فقط من إطلاق الآلة الحاسبة الجديدة، بلغت المبيعات مليون آلة حاسبة.

وعندما بلغ نجل تاداو الوحيد الخامسة من عمره، استمع تاداو إلى نصيحة زوجته وبناته بضرورة عدم تدليل الصبي بالانغماس في الملذات، حتى يستطيع أن يخلف والده في قيادة الشركة عندما يكبر. وعلى الرغم من أن التنشئة اليابانية التقليدية لا تُقيِّد الطفل بأي شيء قبل سن 7 سنوات، ولا يوجد أي نوع من المحظورات، إلا أن تاداو كاشيو خالف هذه التقاليد، وكان صارماً في تربيه ابنه. ويذكر تاداو أنه لم يندم أبداً على تربية ابنه بهذه الطريقة، وأنه يشعر بالامتنان لزوجته التي قدَّمت له هذه النصيحة.

وعلى الجانب الآخر، أدار تاداو كاشيو شركته على الطريقة اليابانية، أي أن الشركة يجب أن تديرها العائلة، ولكن يجب أن يكون كل فرد من أفراد العائلة مؤهَّلاً لأداء وظيفته في الشركة بشكل يفوق أي موظَّف آخر. ولهذا السبب، يجب أن يحصل كل فرد من أفراد العائلة على قدر كافٍ من التنشئة والتعليم والتأهيل، بالإضافة إلى اكتساب القدرة على تحليل التجارب والاستفادة منها وعدم تكرار أخطاء الماضي، فالعمل الجاد هو سر النجاح، وكل ما يهم المستهلك هو جودة المنتجات وإنجازات الشركة الحالية وليس تاريخها. ولكل هذه الأسباب، تم إنشاء العديد من الأقسام في الشركة، وكل قسم مسؤول عن تطوير المنتجات التي من المتوقع أن تكون مطلوبة في غضون فترة مُعيَّنة. وللأسباب نفسها، قامت شركة كاسيو بزيادة عدد منتجاتها.

اقرأ أيضاً: قصة نجاح الملياردير العصامي ريتشارد برانسون


ساعات كاسيو

استخدمت شركة كاسيو التكنولوجيا الرقمية التي تم تطويرها أثناء إنشاء الآلات الحاسبة من أجل التحكُّم في الاتجاه نحو تصغير المكوِّنات الإلكترونية. وقد ساعد هذا التوجُّه الجديد شركة كاسيو على اختراق قطاع جديد من السوق وإتقان صناعة الساعات. وقد ظلت سويسرا لعدة قرون تحتل مكانة الريادة في مجال صناعة الساعات، وذلك نظراً لجودة منتجاتها ومتانتها. وفي نهاية حقبة الستينيات من القرن الماضي، ارتكبت الشركات الأوروبية الرائدة في صناعة الساعات خطأ فادحاً عندما أعلنت أن إنتاج الساعات الإلكترونية لا يشغل تفكيرها.

في البداية، كانت الساعات الرقمية نوعاً جديداً من الإكسسوارات العصرية باهظة الثمن. ولكن سرعان ما تبيَّن أنه يمكن إنتاج هذه الساعات بكميات كبيرة وبتكلفة منخفضة للغاية، وبالتالي، سوف تتفوَّق بشكل كبير على الساعات الميكانيكية التقليدية. وفي ذلك الوقت، أدركت الشركات الأوروبية أنها كانت ساذجة عندما اعتقدت أن المستهلكين سوف يختارون الساعات التقليدية التي تتسم بالأناقة والموثوقية، وأفسحت المجال للشركات الصينية واليابانية سريعة النمو والتي أنتجت ساعات رقمية بأسعار معقولة. وبحلول عام 1970، قامت الشركات الآسيوية بزيادة حجم إنتاجها من الساعات ذات الأسعار المعقولة، وبدأت بقوة في تطوير ساعات ذات جودة أعلى. واستحوذت الشركات الأوروبية على سوق الساعات باهظة الثمن (التي تتكلَّف 400 دولار أو أكثر)، ولكنها فقدت تماماً سوق الساعات الرخيصة (التي تتكلَّف 70 دولاراً أو أقل) ونصف حجم سوق الساعات متوسِّطة السعر.

كان تاداو كاشيو أحد الرواد الذين أنهوا احتكار الأوروبيين لصناعة الساعات، وذلك بعد أن قدَّم مجموعة كبيرة ومتنوِّعة من ساعات اليد المبتكرة، والتي اكتسبت شعبية جارفة في جميع أنحاء العالم. وقد دخل تاداو هذه السوق الجديدة مستعيناً بخبرته التجارية الكبيرة وعلامته التجارية ذائعة الصيت.   وكان تاداو مستعداً للمخاطرة، واستطاع تحقيق النجاح بفضل تقديم تشكيلة متنوِّعة من الساعات الجيدة وبأسعار مختلفة تناسب الجميع. وكانت شركة كاسيو واحدة من أولى الشركات التي أنتجت ساعات الكوارتز، وهي أيضاً واحدة من أولى الشركات التي صنعت ساعات تعرض الوقت في المناطق الزمنية المختلفة، بالإضافة إلى عرض درجات الحرارة والضغط الجوي والارتفاع ونظام تحديد المواقع. وأصبحت ساعات كاسيو رمزاً للشركة ولها نفس شهرة الآلات الحاسبة.

وفي نوفمبر 1974، كشف تاداو كاشيو النقاب عن ساعة CASIOTRON، وهي أول ساعة يد إلكترونية تعرض الوقت بدقة، بالإضافة إلى التقويم.  وقد استند هذا النموذج الجديد من الساعات على شعار شركة كاسيو “الوقت هو عملية مستمرة من التطوير”.

واعتباراً من عام 1980، بدأت شركة كاسيو في تطبيق التقنيات الرقمية ولكن بمفهوم جديد تماماً. وفي يناير 1980، أطلقت الشركة جهاز Casiotone-201، وهو عبارة عن لوحة مفاتيح موسيقية إلكترونية تقوم بتشغيل الأصوات التي يتم إنشاؤها إلكترونياً. وبالإضافة إلى ذلك، أنتجت الشركة مجموعة واسعة من الأجهزة الإلكترونية، مثل أجهزة تلفزيون الجيب ومعالجات الكلمات اليابانية وهواتف الفيديو المنزلية وأنظمة الملاحة في السيارات وأجهزة الراديو وآلات الطباعة وأجهزة النداء الآلي وأجهزة الكمبيوتر المحمولة وغيرها من الأجهزة الرائدة الأخرى التي ساهمت في أن تجعل الحياة أسهل.


فيديو يحكي قصة صعود شركة كاسيو


سر النجاح

أسَّس تاداو كاشيو شركة ناجحة وترأس إدارتها لمدة 28 عاماً. وبعد تقاعده في عام 1988، تولى شقيقه توشيو كاشيو إدارة الشركة. وبالتالي، ترقى شقيقاه كازو ويوكيو إلى مناصب أعلى. واعتباراً من 13 مايو 2015، شغل كازو كاشيو منصب الرئيس والمدير التنفيذي في مجموعة Casio Group، بينما شغل يوكيو كاشيو منصب رئيس مجلس إدارة شركة Casio Micronics Ltd ، ومدير شركة Casio America Inc، وقد استمر تاداو كاشيو في العمل في شركته كمستشار حتى وفاته. وقد توفي في 5 مارس 1993 في مستشفى طوكيو المركزي عن عمر ناهز 75 عاماً. وكان سبب الوفاة هو فشل في الجهاز التنفسي.

السيرة الذاتية لرجل الأعمال تاداو كاشيو هي قصة نجاح لا يعتمد على الحظ، ولكنه تحقَّق نتيجة العمل الجاد والتصميم على تحقيق الأهداف. ومن خلال هاتين السمتين، استطاع تاداو تحويل شركته إلى واحدة من الشركات العالمية الرائدة في مجال التقنية المتطوِّرة، والتي أشاد بها المُحلِّلون المُتخصِّصون في مجال الأعمال نظراً لأسلوب الإدارة المبتكر وإستراتيجيات التسويق والأسعار الفعَّالة. وقد وصف تاداو كاشيو نجاحه بأنه نوع من السعي لخدمة المجتمع مدى الحياة. وكان يحرص على ترديد المقولة الآتية: “إذا كنت ترغب في الشعور بالسعادة، اعمل بكل قوتك من أجل إسعاد الآخرين، كما كان يفعل أبي”.

وفي الوقت الحاضر، تواصل شركة كاسيو مواكبة التقدُّم العلمي والتقني. وتضم الشركة حوالي 11 ألف موظَّف من جميع أنحاء العالم، وتنتج العديد من المنتجات الفريدة من نوعها، مثل أجهزة كمبيوتر الجيب القوية المزوَّدة بمجموعة كاملة من التطبيقات، والكاميرات الرقمية وأنظمة الطباعة عالية السرعة والساعات والكاميرات الرقمية الصغيرة ومقاييس درجة الحرارة والعمق، بالإضافة إلى العديد من الأجهزة الأخرى. وفي عام 2014، بلغ صافي مبيعات شركة كاسيو، التي تتخذ من حي شيبويا في طوكيو مقراً لها، 321.7 مليار ين ياباني (2.699 مليار دولار أمريكي).

وقد كان تاداو كاشيو يقول دائماً إن المنتج إذا لم يكن أصلياً بالكامل، فإنه ليس أحد منتجات كاسيو. وقد ظلت هذه الفكرة هي الأساس الذي تعتمد عليه جميع مشاريع الشركة. ولطالما كانت الشركة حريصة على تطبيق إستراتيجية تنفيذ الأفكار الجديدة والتقنيات المبتكرة عن طريق إنتاج أجهزة متطوِّرة تفتح أمامنا آفاقاً جديدةً وتتيح لنا إمكانات مذهلة.


المصادر:


شارك برأيك!

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى